مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

المفاوضات ممكنة رغم بدء الهجوم


بين قرقعة السلاح وصمت الدبلوماسية المريب، تدخل المنطقة فصلاً جديداً من فصول المواجهة المباشرة. فرغم تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية الأخيرة على إيران، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد توحي بأن الخيارات العسكرية لم تغلق بعد الأبواب أمام طاولة التفاوض. إننا أمام مشهد معقد، تتداخل فيه الطموحات الإقليمية بضغوط الداخل الأمريكي، مما يجعل من كل ضربة جوية رسالة سياسية مشفرة أكثر منها رغبة في حرب شاملة.
وهنا تجب الإشارة إلى عدة ملاحظات جوهرية؛ أولاً: أن الضربات التي تمت حتى الآن جلّها نُفذت بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي. كما أن الولايات المتحدة، حتى هذه اللحظة، لا تريد أن تتورط مباشرة في عمليات عسكرية مفتوحة لا يعلم أحد كيف أو متى ستنتهي، خاصة أن الضغوط الداخلية على "ترامب" في تزايد؛ سواء بسبب تداعيات فضيحة "إبستين"، أو الخلافات بين الجمهوريين على كثير من توجهات الرئيس داخلياً وخارجياً، فضلاً عن اقتراب موعد التجديد النصفي للكونجرس، الذي تشير أغلب الاستطلاعات فيه إلى تصاعد فرص التصويت للديمقراطيين. ومع أول سقوط لجندي أمريكي أو تضرر إحدى سفن الأسطول، سيكون هذا بمثابة ضربة قوية لترامب قد لا يتحمل تداعياتها، وهو الذي جاء بوعود إنهاء الصراعات في العالم، وها هو يجد نفسه على أعتاب التورط فيها.
ثانياً: إن دوائر صنع القرار السياسي والعسكري، على وجه الخصوص في واشنطن، تدرك أن الهدف المعلن من الحرب هو "إزاحة النظام"، وهذا هدف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التحرك على الأرض، وليس بالضربات الجوية والصاروخية وحدها. وهذا معناه تورط عسكري أمريكي مباشر يشبه إلى حد كبير ما حدث في أفغانستان والعراق، مع اختلاف الجغرافيا والمكون الاجتماعي والأيديولوجي؛ مما سيجعل منه "مستنقعاً" لن تتحمله أي إدارة أمريكية حالية.
في كل الأحوال، من المتوقع أن تتولى إسرائيل المهمة الأساسية في العلن لسببين:
الأول: أن ترامب ليس من الغباء ليتورط في حرب بجغرافيا لم تختبرها القوات الأمريكية من قبل، ناهيك عن أن الحلفاء الغربيين تركوه وحيداً دون مساعدة أو حتى مساندة سياسية، وكأنهم يقولون له: "لعل الأفاعي تموت بسموم العقارب". أما على الجانب الآخر من الأطلسي، فلا يبدو الموقف الأوروبي مجرد "مراقب حذر"، بل هو موقف يحمل في طياته رغبة ضمنية في رؤية واشنطن تغرق في تعقيدات الشرق الأوسط من جديد؛ فالقادة الأوروبيون، الذين عانوا من سياسات ترامب الحمائية وفرضه لتعريفات جمركية قاسية، بالإضافة إلى تهميش دورهم في ملفات دولية كبرى، قد يجدون في "التورط الأمريكي" نوعاً من الانتقام السياسي غير المباشر. إنهم يمارسون لعبة "النأي بالنفس" بذكاء؛ فمن جهة يرفضون تقديم أي دعم عسكري أو غطاء شرعي للعمليات، ومن جهة أخرى يراقبون ترامب وهو ينزلق نحو الالتزامات العسكرية التي طالما حاول الهروب منها، وكأن لسان حالهم يقول: "من أراد الانفراد بالقرار، فعليه الانفراد بالتبعات".
الثاني: رغبة ترامب الفعلية في تنصيب إسرائيل "شرطياً للمنطقة"، وعليها أن تتحمل عبء المهمة ليس لتطوير قدراتها فحسب، بل لتقديم نموذج عملي رادع لمن يريد أن يتصدى لها مستقبلاً.
وفي المقابل، وعلى الجبهة الشرقية، يقف الحليفان الروسي والصيني بمواقف تتراوح بين الإدانة الدبلوماسية الصارمة والدعم التقني المستتر. فموسكو، التي وصفت الهجوم بـ "العدوان المسلح غير المبرر"، ترى في اشتعال الجبهة الإيرانية فرصة لتشتيت الانتباه الأمريكي واستنزاف مخزونات واشنطن من الصواريخ الاعتراضية والذخائر المتطورة بعيداً عن الساحة الأوكرانية. أما بكين، فتتبنى استراتيجية "الصبر الاستراتيجي"؛ فهي ترفض التصعيد علناً حمايةً لإمدادات الطاقة واستثماراتها في "طريق الحرير"، لكنها في الوقت ذاته تعمل على تعزيز "السيادة الرقمية" لطهران بأنظمة دفاع سيبرانية بديلة للأنظمة الغربية. كلا القطبين يدركان أن سقوط النظام الإيراني يعني خسارة حليف جيوسياسي وازن، لذا فهما يراهنان على صمود طهران لإظهار عجز واشنطن عن حسم الصراعات، دون الانزلاق لمواجهة عسكرية مباشرة مع إدارة ترامب.
ختاماً، يبدو أن استراتيجية واشنطن الحالية تقوم على "الإدارة عن بُعد"، وتجنب الانزلاق في صراع قد يطيح بمستقبل ترامب السياسي، لذا سيبقى الأمل متاحاً في العودة للمفاوضات مع إدراك الجميع أن الأهداف المعلنة، خاصة إزاحة النظام في إيران، ستكون باهظة الثمن. وبينما تُترك لإسرائيل مهمة الشرطي لمواجهة التحديات الإقليمية، يبقى السؤال القائم: هل ستنجح هذه المقامرة في رسم خارطة قوى جديدة للمنطقة، أم أن "سموم العقارب" قد تطال الجميع في نهاية المطاف؟ دون أن نعرف يقيناً من سيكتب السطر الأخير في هذا الصراع.